السيد كمال الحيدري

153

الإنسان بين الجبر والتفويض

الأساس تصحّ النسبتان معاً ، حيث يسند الفعل إلى الإنسان باعتبار أنّه فاعل مباشر ، كما يسند إلى الله سبحانه باعتبار أنّه فاعل تسبيبيّ وفاعل الفاعل ، من غير أن تُبطل إحدى النسبتين الأخرى . لا يعنينا مناقشة هذه القراءة والأساس النظري الذي تقوم عليه في توصيف الأمر بين الأمرين لا سيما وأنّها غير متدافعة مع التي ستليها « 1 » ، وإن كان هناك افتراق في الأساس النظري بينهما . لكن من الحريّ أن نعرف أنّ الإذعان إلى هذا التصوير لنظرية الأمر بين الأمرين يقوم على أساس الإيمان بالمرتكزات التي قدّمتها الحكمة المشائية لمسألة الوجود الإمكاني . فهناك افتراق بين المدرستين المشائية والحكمة المتعالية بشأن الوجود . فالذي ذهبت إليه الفلسفة المشائية أنّ الوجود الإمكاني وجود في نفسه وإن كان قائماً بغيره ، وهو الله سبحانه ، وذلك على خلاف ما ذهبت إليه الحكمة المتعالية من أنّ الوجود الإمكاني وجود في غيره ، ولا يعدو أن يكون معنىً تعلّقياً ، أي وجوداً قائماً في غيره . إذن فهذا التفسير لنظرية الأمر بين الأمرين ينسجم مع أصول الفلسفة المشائية ومرتكزاتها بالأخصّ في مسألة الوجود الإمكاني وطبيعة الفهم الذي تقدّمه على هذا الصعيد . أمّا من يؤمن بأصول فلسفة الحكمة المتعالية ومرتكزاتها فلا يسعه إلّا أن يتخطّى هذا التفسير إلى تفسير آخر ، هو الذي تعكسه القراءة الثانية .

--> ( 1 ) هذا ما ذهب إليه الطباطبائي في تقويم القراءتين . ينظر : المصدر السابق ، هامش ص 372 .